thumbnail

قراءة في كتاب : موسوعة علم الكلام و المجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة

بقلم : هاشم صالح 
 اشتهر البروفيسور الألماني الكبير جوزيف فان ايس بموسوعته الرائعة عن «علم الكلام اللاهوتي والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة. الفكر الديني في بدايات الإسلام الأولى» (1). وهي موسوعة ضخمة صدرت في ستة أجزاء بين عامي 1991- 1997. وتشكل الآن مرجعا لا يمكن تحاشيه أو تجاوزه على المستوى العالمي فيما يخص الدراسات الإسلامية. وهذه الموسوعة التي تتجاوز الأربعة آلاف صفحة اعتبرها بعضهم بمثابة الكتاب الأعظم للاستشراق في القرن العشرين.

بواكير علم الكلام الإسلامي:

يقول لنا البروفيسور فان ايس إن هناك فرقا بين علمين كبيرين هما: علم الكلام، وعلم الفقه، فهما ليس شيئا واحدا على عكس ما قد نتوهم أحيانا. ولكن اذا كان علم الكلام (أو علم اللاهوت في المصطلح المسيحي، أو علم الإلهيات بحسب المصطلح الإسلامي القديم) قد انقرض من تاريخنا، فإن علم الفقه قد ساد وهيمن تماما، وهنا تكمن الطامة الكبرى.
نلاحظ أن الباحث الألماني الكبير يطبق المنهج التاريخي على التراث الإسلامي ويخرج بنتائج جديدة واكتشافات لا تقدر بثمن. ومعلوم أن الألمان هم أبطال المنهج اللغوي – التاريخي، أو الفيلولوجي – التاريخي في كل أنحاء أوروبا والغرب. والواقع أن الألمان اذا ما فعلوا شيئا يتقنونه تماما: بدءا من صناعة سيارة المرسيدس وحتى مناهج العلوم التاريخية مرورا بالفلسفة! من يستطيع أن يتفوق على الألمان في المنهج والمصطلح وإيضاح الإشكاليات العويصة الأكثر تعقيدا وغموضا؟
   إن المنهج التاريخي النقدي يختلف كليا عن الاعتقاد التبجيلي التسليمي السائد في أوساط المؤمنين التقليديين سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم يهودا. ولهذا السبب فهو يصدمهم كثيرا فيحاربونه ويكفرونه ويحاولون منعه أو منع تطبيقه على النصوص المقدسة. هذا ما فعله الفاتيكان لفترة طويلة قبل أن يستسلم للأمر الواقع ومنطق الحداثة. وهذا ما يحاول أن يمنعه شيوخ الإسلام اليوم بأي شكل. انظروا الهجوم الكاسح لزعيم السلفية المعاصرة الدكتور محمد عمارة ليس فقط على الاستشراق والمستشرقين وإنما أيضا على محمد أركون والمنهجية الحديثة في دراسة الإسلام وتراثه العريق. فالمسلمون التقليديون من أمثال الدكتور عمارة يعتقدون بأن الدين يقف فوق التاريخ: أي يؤثر عليه ولا يتأثر به. ولهذا السبب فإن المسلمين عموما يتوهمون بأن الإسلام ظل هو هو على مدار التاريخ منذ البداية وحتى النهاية. انهم يعتقدون أنه لم يتغير ولم يتبدل بتبدل العصور والأزمان. وهذه نظرة لا تاريخية للتراث. ولكنها سائدة ومهيمنة على عقول الجماهير بل وحتى معظم المثقفين اللهم اذا ما استثنينا المسلمين المستنيرين المستضيئين بنور العقل والعلم. حول هذه القضايا اللاهوتية العقائدية الكبرى وكذلك قضايا الزندقة والتكفير في الإسلام يدور الكتاب الوحيد الذي أصدره المؤلف بالفرنسية تحت عنوان: بواكير علم الكلام الإسلامي. وهو يعتبر بمثابة مقدمة لموسوعته الشهيرة المذكورة آنفا.

الأطروحة المركزية للكتاب: الفقه انتصر على اللاهوت:

يحاول البروفيسور جوزيف فان ايس البرهنة على صحة الأطروحة التالية: وهي أن الفقه انتصر تدريجيا على علم الكلام والفلسفة في أرض الإسلام. وقد حصل ذلك في المنعطف التاريخي الحاسم الذي يفصل بين القرنين الثاني/ والثالث للهجرة، أي الثامن والتاسع للميلاد. من هنا نفهم سبب هيمنة النقل على العقل، أو التقليد/ على التجديد، أو التكرار والاجترار/ على الابتكار والإبداع في كلا العالمين العربي والإسلامي.

بمعنى آخر اذا كان تطبيق الشريعة والفقه القديم يشغلان بال المسلمين اليوم وليس التعمق في معاني القرآن وأسراره فإن ذلك ليس من قبيل الصدفة المحضة على الإطلاق. هناك أسباب بعيدة وعميقة لهذا الموقف المهيمن الراسخ. وينبغي العلم بأن أعمال المتطرفين الحاليين (والسابقين أيضا) تعود الى تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الإسلام حيث انتصر الحنابلة على المعتزلة، والفقهاء على الفلاسفة.

من هنا نفهم سبب هيمنة الفقه على العالم الإسلامي اليوم وليس فلسفة الدين أو علم اللاهوت التنويري مثلا. انظروا فتاوى المشايخ التي تملأ الفضائيات اليوم حيث يتحدثون عن كل شاردة وواردة. فالطلبات عليهم تزداد يوميا والناس تسألهم عن مختلف القضايا: هل هذا حلال أم حرام؟ هل هذا نجس أم طاهر؟… الخ.. ويصل الأمر أحيانا الى حد الهوس تقريبا: هل ينبغي أن ندخل الى دورة المياه: بالرجل اليمنى أم اليسرى؟ باليمنى طبعا! لأن اليسرى مذمومة في القرآن. ويصل الأمر أحيانا أخرى الى حد هزلي مضحك: هل يجوز ارضاع الكبير أم لا؟ ومعلوم أن هذه المسألة شغلت الصحافة العربية منذ بضع سنوات ولا تزال..

ولكن كيف يمكن للمسلم المعاصر أن يطبق جميع بنود الفقه وتفاصيل الشريعة اللانهائية وكل الممنوعات والمحظورات في عصر الحداثة؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال المؤمنين. وذلك لأن تطبيق الشريعة بحذافيرها أمر يبدو عسير المنال. فالبعض مثلا يهملون الصلاة خمس مرات في اليوم ولكنهم يصومون رمضان ويمتنعون عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر. وبالتالي فهم يؤدون بعض الفرائض الشرعية ويهملون بعضها الآخر.
كل مؤمن يخشى غضب الله عليه. وهذا أمر طبيعي. ولكن ماذا يستطيع أن يفعل اذا كان عصر الحداثة والعمل والإنتاج يجبره على عدم التقيد بكل الفرائض الشرعية العديدة والمتشعبة؟ هكذا نلاحظ أن القانون الديني أو الفقه الإسلامي هو الذي يهيمن على المسلمين اليوم وليس التفقه في علم الدين، أو دراسة التراث الإسلامي على أسس حديثة، أو المقارنة بين المذاهب والأديان، هذا ناهيك عن فلسفة الأديان. وكل هذه المسائل كانت تشغل بال أسلافنا العظام إبان العصر الذهبي للمعتزلة والفلاسفة. ولكنها انقرضت بعد هزيمة العقل والعقلانية في أرض الإسلام.

وينبغي التأكيد على أن هدف المؤلف ليس انكار مضمون الإيمان والمعتقد الإسلامي على الإطلاق. وانما هو يهدف الى نقد النزعة الفقهوية والشرعوية الضيقة التي تفرض نفسها على المسلمين وكأنها وحي الهي في حين أنها بلورة بشرية وتاريخية محضة. وقد تدخلت السياسة في ذلك المنعطف التاريخي لفرض هذه الهيمنة على عقول المسلمين. وبعد تكريس القرون المتطاولة لها ما عادوا يستطيعون منها فكاكا. وبالتالي فالمسلم المعاصر سجين نفسه شاء أم أبى. ومن يستطيع أن يخرج من الشرنقة؟ من يستطيع أن يفك عنا الأسر؟ هذا ما كان محمد أركون يدعوه: «بالسياج الدوغمائي العقائدي المغلق على ذاته»: أي السجن الفكري أو القفص المذهبي. وهو موجود عند المسيحيين واليهود أيضا. نعم المسلمون سجناء أنفسهم دون أن يدروا. ومعلوم أن أركون كان صديقا لجوزيف فان ايس ومن أشد المعجبين به. كان يعتبر كتابه الموسوعي عن الفتنة الكبرى وكيفية تشكل الفرق الأولى في الإسلام بمثابة «جبال الهمالايا»: أي ذروة العلم التي لا تضاهى!.



لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

كلنا يعلم أن صورة الإسلام اليوم مرتبطة بالشريعة وتطبيق الحدود البدنية الدموية المرعبة كحد الجلد والرجم وقطع يد السارق… الخ. والدارس الأكاديمي يبحث عبثا عن مناقشات فكرية عميقة حول الدين وفلسفة الدين عند المسلمين. ولكنه لا يجد شيئا يذكر. فمناقشات المسلمين المعاصرين متركزة كليا على التطبيق الكلي أو الجزئي لحد الجلد أو الرجم أو قطع يد السارق… الخ.. بمعنى آخر فإن الأرثوبراكسية هي المهيمنة. ونقصد بالأرثوبراكسية هنا التقيد الحرفي بالطقوس والشعائر وتطبيق الفتاوى القروسطية واختزال الدين كله الى مجرد ذلك.

ولكن هذه الصورة السائدة حاليا لا ينبغي أن تخدعنا فنتوهم أن كل تاريخ الإسلام كان هكذا! فالواقع أن علم الكلام العقائدي كان أهم من الفقه وتطبيق الفرائض إبان العصر الذهبي للإسلام. فخلال القرنين الثاني والثالث للهجرة عرف علم الكلام الذي كان يدافع عن الدين الإسلامي بمحاجات عقلانية وفلسفية مجده الحقيقي. لقد شهد أوجها في عصر الخليفة المستنير المأمون الذي حاول فرض عقيدة المعتزلة على الجميع. ولكنه أخطأ إذ استخدم القوة لذلك. ومعلوم أنه حصل اضطهاد للحنابلة الذين رفضوها. نقول ذلك على الرغم من أن بعضهم بالغ في تصوير هذا الاضطهاد وضخموه لأسباب معروفة. أياً يكن من أمر فإن المعركة انتهت أخيرا بدءا من عصر المتوكل الذي انقلب على المأمون وانتصر للحنابلة على المعتزلة الذين أبيدوا تماما. وعندئذ انتصر أهل الحديث والفقه على أهل الكلام العقلاني. واستمر هذا الانتصار حتى يومنا هذا. وبعد سحق المعتزلة تم سحق الفلسفة والفلاسفة. وعلى هذا النحو حصل (انتحار العقل) في الإسلام كما يقول المجدد الباكستاني الكبير فضل الرحمن. وعمّ الظلام العالم الإسلامي طيلة قرون وقرون: أي حتى الآن. ما معنى اللحظة الداعشية؟

ثم يردف فان ايس قائلا: وهنا ينبغي تصحيح الصورة التي تقول إن الإسلام كان مضطرا للاختيار بين الفلسفة/ والدين، أو بين العقل/ والإيمان. فهذا ليس صحيحا. لماذا نقول ذلك؟ لأنه كان قادرا على التوفيق بين كلا طرفي المعادلة من خلال علم الكلام المعتزلي. ومعلوم أن هذا العلم كان يدافع عن الاعتقاد الإسلامي بمحاجات عقلانية فلسفية. في الواقع أن الخيار الذي كان مطروحا على المجتمعات الإسلامية آنذاك هو: بين علم الكلام/ وعلم الفقه. ولكن الذي حصل تاريخيا هو أن علم الفقه انتصر على علم الكلام وسحقه سحقا أو همشه كليا بعد انتصار الحنابلة على المعتزلة كما ذكرنا آنفا. واستمر الحال على هذا النحو حتى يومنا هذا. ولهذا السبب لم يعد هناك من وجود لعلم الكلام في الإسلام. لقد اختفى التفكير العقلاني حول الدين من الساحة العربية والإسلامية منذ حوالي الألف سنة تقريبا: أي طيلة عصور الانحطاط واغلاق باب الاجتهاد. وبالتالي فإذا عرف السبب بطل العجب. ثم يسألونك بعد ذلك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ لقد كان علم الكلام المعتزلي قادرا على مصالحة العلم مع الإيمان أو العقل مع الدين داخل الإسلام. ولكن الكارثة بالنسبة للعالم الإسلامي هي أن المعتزلة هزموا كليا وسحقوا من قبل أهل التقليد والفقه والحنابلة الكبار بالدرجة الأولى.

وبالتالي ففي الوقت الذي ينشغل فيه المسلمون بفتاوى هزلية كإرضاع الكبير، ومنع المرأة من قيادة السيارة، أو تحريم الموسيقى، وسوى ذلك، نجد الأمم الأخرى تنتج وتبدع في كافة مجالات المعرفة والاكتشافات العلمية. ونجدها مهتمة بالدرجة الأولى بالتنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها وتحقيق الاكتشافات العلمية والطبية والفلكية… الخ. فلماذا كل هذا الاغتراب والاستلاب عن العالم الواقعي لدى المسلمين؟ لفهم كل ذلك يكفي أن نقارن وضعهم بأوضاع أخرى مشابهة في التاريخ.

كههنة بيزنظة يتساءلون عن جنس الملائكة

يقال إن كهنة بيزنطة كانوا يتساءلون و»العدو» على الأبواب: ما هو جنس الملائكة يا ترى؟ هل هم ذكور أم اناث؟ أو: كم هو عدد الملائكة الذين يمكن أن يمروا من ثقب الإبرة؟ أو هل البيضة خلقت قبل الدجاجة أم العكس… الخ.. وهكذا سقطت عاصمتهم القسطنطينية وهم مشغولون بهذه الترهات ومستلبون عقليا وغير واعين بما يحصل حولهم. لهذا السبب ذهبت قصتهم مثلاً، وما زلنا إلى اليوم، عندما ينخرط بعضنا في جدالات عقيمة من هذا النوع، نقول إنه جدال بيزنطي: أي فارغ لا معنى له. ويمكن القول إن معظم نقاشاتنا حول الدين هي من هذا النوع للأسف الشديد. فبدلا من أن نهتم بجوهر الدين نشغل أنفسنا بقشوره. ولهذا السبب سبقتنا الأمم الأخرى وخلفتنا وراءها بسنوات ضوئية! آخر ما نفكر فيه هو القيم الأخلاقية والمقاصد الفكرية العميقة للتراث العربي الإسلامي العظيم الذي غطى عليه الحشو وحشو الحشو والتراكمات.

النهضة وشجونها:

هل ولى عهد طه حسين ومصطفى عبد الرازق وكبار النهضويين العرب الى غير رجعة؟

في مستهل كتابه هذا عن «بواكير اللاهوت الإسلامي» يقول البروفيسور جوزيف فان ايس ما فحواه: «ان صورة الإسلام في وسائل الإعلام الغربية أصبحت سلبية جدا ومنفرة. لقد أصبح الإسلام هو (الآخر في المطلق) بالنسبة للغرب. وهم – أي الغربيين – يطابقون بين الإسلام والقانون الديني أو الشريعة التي تبدو لهم غير متوافقة مع حقوق الإنسان ومبادئ العقل المستنير. ولكن الأمور لم تكن هكذا دائما بين الإسلام والغرب. ففي عهد طه حسين مثلا كانت صورة الإسلام مختلفة تماما عما هي عليه الآن. ومعلوم أنه كتب في مستقبل الثقافة في مصر عام 1938 ما معناه: «كل شيء يدل على أنه لا يوجد أي فرق بين الروح الأوروبية والروح الشرقية… ونحن متأكدون بأنه لا يوجد أي فرق أساسي أو جوهري بين الأوروبيين ونحن. وبالتالي فنحن يمكن أن نتقدم أيضا. اننا لا نعاني من تخلف عقلي كما يزعم العنصريون في الغرب».

وفي عام 1945 استعاد شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق هذه الفكرة. ففي الخطاب الرسمي الذي ألقاه ودشن به وظيفته بصفته الممثل الأعلى للمؤسسة التي تجسد روح الشريعة قال ما فحواه: «لا أرى أي سبب يبرر إقامة التناقض الصراعي بين الإسلام والغرب».

ثم يعلق الباحث الألماني على ذلك قائلا: في ذلك الوقت كان هذان المثقفان المصريان الكبيران يستطيعان الاعتماد على تأييد الغرب لهما من خلال مقولة غوته التي تنص على أنه «لم يعد بالإمكان الفصل بين الشرق والغرب. انهما شيء واحد لا شيئان مختلفان متناقضان». ولكن على غرار الكتّاب الرومانطيقيين فإن غوته عندما قال عبارته هذه كان يفكر بالشعر الذي يجمع بين الغرب والشرق وبالأخص شعر حافظ الإيراني. وذلك على خلاف طه حسين ومصطفى عبد الرازق اللذين كانا يفكران بالفلسفة أساسا. فهي التي جمعت بين الشرق والغرب من خلال ابن رشد والفلسفة الرشدية التي انتشرت على كلتا ضفتي البحر الأبيض المتوسط. بل انها انتشرت على الضفة الأخرى عند الأوروبيين أكثر مما انتشرت عند أصحابها الأصليين من عرب ومسلمين. نضيف: ومعلوم أننا حاربنا ابن رشد وبقية الفلاسفة طيلة عصور الانحطاط الطويلة. هذا في حين أن الأوروبيين تلقفوه وترجموه وبنوا على أساسه نهضتهم المقبلة. بهذا المعنى فإن طه حسين على حق عندما يقول إن التفاعل الثقافي بين العرب وأوروبا كان متواصلا على مدار القرون. فأحيانا كانوا يأخذون عنا ويستفيدون من ثقافتنا وحضارتنا، وأحيانا كنا نحن الآخذين.



أزمة المسلمين بسبب تحريم علم الكلام:  

ولكن جوزيف فان ايس ينبهنا الى الحقيقة التالية: وهي أن «علم الكلام» سبق الفلسفة الى الوجود في الساحة العربية الإسلامية. وهو يعني التناقش حول الدين مع مسلمين آخرين يشكلون عنه تفسيرا آخر، أو حتى مع أشخاص غير مسلمين. صحيح أن علم الكلام كان ذا هدف تبجيلي في البداية: أي هدفه تبجيل الإسلام، وتبيان أفضليته، والدفاع عنه ضد أتباع الأديان الأخرى. ولكن هذا ليس صحيحا الا جزئيا. فقد كانت لعلم الكلام طموحات وأهداف أخرى. كان يهدف الى تقديم تفسير حقيقي للعالم، أي تفسير عقلاني متماسك. ولهذا السبب اتهمه الفقهاء بأنه نوع من الفلسفة وخارج على الدين. وذلك لأن الفلسفة الحقيقية، أي فلسفة الكندي وحلقته وكذلك فلسفة الفارابي وآخرين حتى ابن رشد، لم تكن قد ظهرت بعد. ولكن للأسف فإن علم الكلام (أو ما يدعوه المسيحيون بعلم اللاهوت) سرعان ما قمع في الساحة الإسلامية وانقرض نهائيا بعد محنة المعتزلة. والآن لم يعد له من وجود في كليات الشريعة والمعاهد الدينية. بل انه ممنوع منعا باتا من قبل الأوساط المحافظة في العالم العربي الإسلامي، تماما كما الفلسفة. فهم يعتقدون أن علم الفقه يكفي ولا داعي لعلم الكلام أو للفلسفة. فالمحافظون يشتبهون بهما ويعتقدون بأنهما يفسدان التدين الصحيح أو يبعدان عن الله، وبالتالي فلا داعي لهما. وهذا موقف قديم راسخ الجذور في كل أنحاء العالم الإسلامي قديما وحديثا. وهو سبب ضمور العقل والعقلانية في العالم العربي على عكس العالم الأوروبي. كما أنه سبب هيمنة عقلية التلقين الببغائي في المدارس بل وحتى الجامعات، وكذلك عادة الحفظ عن ظهر قلب وعدم تشغيل العقل، هذا ناهيك عن الكسل الذهني والتكرار والاجترار. العقلية التساؤلية – النقدية – الاحتجاجية ممنوعة تقريبا في التعليم الإسلامي. وحدها عقلية التواكل والتسليم دون نقاش والحفظ عن ظهر قلب هي السائدة. ولهذا السبب لا يوجد ابداع علمي ولا ابتكار فلسفي عند العرب أو المسلمين عموما. كما أن هذا الموقف القديم المضاد لعلم الكلام والفلسفة هو سبب اجتياح الحركات المتطرفة لكلا العالمين العربي والإسلامي. فلو استمر علم الكلام العقلاني في الساحة الإسلامية كما كان عليه الحال ابان العصر الذهبي، لو استمر التأمل العقلاني في الدين، لما وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم من عمى شبه كامل أو ظلام مطبق. كل هذه العوامل السلبية ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار اذا ما أردنا أن نفهم سبب تقدم الأوروبيين وتأخر المسلمين. هذا هو الدرس الذي خلفه لنا المستشرق الألماني الكبير البروفيسور جوزيف فان ايس.

…………

العنوان الاصلي للمقال : انتحار العقل _ جوزيف فان ايس يشخص الخلل التراثي

نشر في الاتحاد 4 سبتمبر 2015
عن http://flafes.com/



Subscribe by Email

Follow Updates Articles from This Blog via Email

No Comments